- الدُنيا كلها نورت يا هانم، .. أهلًا أهلًا.. أهلًا..
مُهللًا سَليم، يُقابلها عند الباحة الأمامية لبهو المصعد، الفاتح على سطح شقة أعلى المطعم. السطح لا يستعمله إلَّا مالكيه واصدقاؤوهم من المقربين وضيوفهم الراغبين في مقابلتهم. تشغلُ مساحة السطح كامل أرض مبنى مبني على ثُلت الأرض تقريبًا. نصف السطح مُغلق فيه أمكنة معيشة وخدمة وغرف مراقبة مع مكانٍ لسكنٍ خاص بسَليم.
مُطلًا بطبيعة الحال جهة الخلف ناحية الجنوب بعيدًا عن منظر البحر ورياح الشمال الرطبة: دائمًا كلمة سَليم: يعني كويس إذا بقت عند حد المنظر والهوا، يا عمنا..، أما المساحة الباقية فمفتوحة تتوزع فيها أمكنةُ جلوسٍ مُلتفةٌ حول بركة سباحة سقفها مفتوحًا للسماء. تنتشي نائلة بالترحيب إنما تلتزم الجدية تلك المّرَّةُ، فاليومَ هي قادمة لشأنٍ يهمُ ابنتها. أجل، شأنٍ هام:
- سِتك فين يا وَادْ يا سَليم؟
- سِتي! ووَادْ! .. آه.. طيب.. ريبا هانم معها ضيوف.
- قل لها نائلة هانم الساكت عايزة تقابلها.. اتحرك يا مُغّفل..
كعادة المهمشين يتجرع الإهانة إنما يُمرِّرّها. اعتادوا هم على الإهانات كما اعتاد الناس على إهانتهم، ليس بقصد الاستمتاع إنما لاقتناع داخلي بأنهم لا يستحقون غيرَ الإهانة؛ كأنهم خُلقوا ليهانوا. التفَ سَليم مُتجهًا ناحية شقة أعلى المطعم يبدو مِدّلدِلًا، مُطأطيء الراس. واقفة نائلة في الانتظار متلفتةٌ حولها فترى صورة بحجم الحائط للسيدة ريبا الرايق، تتعجب نائلة مما كانت تصوره الأفلام السينمائية عن السيدات العاملات في المجال، عاملة في ملهي ليلي، مالكةُ مطعمٍ أو كافيتريا، راقصةُ تعمل في مجال الفن، يصورهن كَأنَّهن ساقطات، تلبسن أردية مكشوفة، ملونات وجوههن بألوانٍ فاقعة، ضحكاتهن فاجرة، يخرجن يسرن بين الناس وداخل بهو المطعم كَأنَّهن مُترَّشحاتٌ للانتخابات، تُسلمن هنا، تضحكن هناك، تشاورن يمينًا تغمزن يسارًا. واقعٌ مشوه، تَزَّيُد فني؛ فالسيدة رِيبا مثل لسيدة الأعمال الراقية الفاتنة، تراها من صفوة وعلية القوم فوالدها رؤوف الرايق أستاذ جامعة ورجل أعمال ثري من عائلة تمتد جذورها للشيخ نبهان الرايق.
- نيللي هانم، تفضلي، دقائق ورِيبا هانم ستكون معك.
قالها سَليم حديد وهو يفتح لها باب شقة أعلى المطعم، أول مرَّة تدخلها، سمعت عنها من ابنتها سُولاف كما حكى لها زوجها زايد عن أن البناء تصميمه لمِعمار فلطسيني من أرض المقدس بعدما حررها الفتى في منتصف الألفية الثالثة. تتميز أرض المقدِس بمِعماريها من الفنانين خاصة بعد مشاركتهم الواعدة في إعادة تشييد أنقاض المراكز الدينية، كنيسة القيامة والمسجد الأقصى والحرم الإبراهيمي والمعبد اليهودي وهيكل سليمان بما يراعي مكانة الديانات السماوية الثلاث. لم تتخيل يومًا مِعمارًا عربيًا بمثل براعته، خططَ المِعمار المطعم بحديقته الأمامية ليشغل مساحة الأرض الطبيعية كُلَها.
بنائه من غرف فوقها غرف، يعلو لفوق، لثلاثة طوابق، تحته تأتي كامل غرف البدروم والطوابق السفلية، تنزل لتحت لثلاثة طوابق، فيها وفق ما روى زايد الملهى الليلي يمتد سارحًا بعمقٍ لحَتَّى داخل المغارات السفلية للجبل.
في الطابق الرابع شقة أعلى المطعم، سكن الست رِيبا الرايق، يعلوها السطح ومكانًا خاصًا للعائلة والرفاق المقربون، ليشغل سكن سَليم حَديد جزءًا صغيرًا منه.
البناء من الخارج تُحفة مِعمارية عُمرانية مُلتصقة بالجبل مُتضامة معه، بعبور المدخل انتابها شعور غريب كَأنَّها في عالمٍ آخر، عادت للعصور الأندلُسية فسحرُ الشرق ها هنا يبُعّثُ من جديد، تنساب في أذانها موسيقى شرقيةٌ هادئةٌ حالمة مع رائحة لم تشمها من قبل؛ أرائحةُ الجنة أم خُيل لها؟ فلم ترَّ مكانًا أو تشتمُ رائحةً مِن مثلٍ من قبل.
يشغلُ بهو المدخل الرئيس مساحة من صالة الاستقبال المُمتدة، فيها بركةُ مياهٍ لا يزيد عمقها عن طول شخص بالغ بمياهٍ زرقاءٍ فيروزيةٍ صافية؛ عينُ ديك. انتابها شعورٌ حالم، تبدو في حلم. رحب بها سَليم بنظرةٍ مِلئها لؤمْ، كَأنَّه يُدخِلها قصرهُ، مُستمتعًا بمفاجأتها بِمَا لمْ ترّهُ من قبل، يحسُ هو أنها ليست سيدته ولا أنه هو ولد، يعرف قبلها المكان، لتراه هي لأول مرّة مُندهشةٌ؛ مُستمتعٌ بدهشتها. يطلب منها بصوتٍ خفيضْ أن تخلعَ نعليها قبل الدخول، تنظرُ إليه متعجبةٌ من وقاحته فيَّهِزُ لها رأسه بابتسمة أكثر لؤمًا من ابتسامته الأولى تشتمُ فيها رائحة خُبثٍ جارِفٍ استشَفَّتَ الكلمات: أخلعي يا بنت القديمة نعلك، فخلعتَ من دونِ نقاش. سارت على أطرافِ أصابع قدميها، ينظُر لها بشغفِ، يموت في أصابع أقدام الصبايا، تُصيبه بشهوةٍ عارمة، تجعلهُ يَنتصِبُ متتبعًا أصابع قدميها المثيرات مُتلمسة رخام الأرض البارد، ليضيف إليها إحساسٌ جارفٌ بالشعورِ بالنشوة؛ تُحدث رجفة.
- أمم رجفة جامدة أوي.. لأَّ يا مامي.. أنا كويسة..
تُطّمئِّن سماء أُمها بالهاتف فما زالت معها خالتها معهما لينا في غرفة رِيبا في شقة أعلى المطعم. اطمئنت على ابنتها، تتلمس ريبا ساق الرابية وهي تتكلم بالهاتف فتراهُ ناعمًا أملسًا تبتسم لها الرابية على لمستها لها. تتمادى رِيبا فتميل ناحيتها، لتصعد بأصابعها لتتلمس لها ما بين فحذيها، تنظر لينا مبتسمة، تمسك الرابية أصابع ريبا حَتَّى لا تصعد بأصابعها لأعلى، مُشيرة لها بعينيها أن تتلمس جسد لينا. تبتسم ريبا. لتعود لتتلمس لينا فتحسها أنعم وأروع، تنظر للرابية، لتغمز لها بعينها لتتمادى فتمادت ترتفع بأصابعها لتصل لما بين أفخاذها، الغريب أن لينا، تحب لمسة ريبا لها، تثيرها نظرة الرابية وأختها لما تفعله معها ريبا، فتنام، تفرد جسدها بكامله على السرير ترفع قدميها بعد أن تخلصت من نعليها بانت أصابع قدميها مثيرة، جسمها كُلّه مثير.
في حين الآليات يحاولن معًا ترتيب فوضى ما خلفته الرجفة، سَليم في الخارج كعادته مُتلصصًا. اعتادت النساء في خلوتهن فعل ما لا يخطر على بشرٍ. عرفتُ ذلك لأنني لستُ بشرية، لعلي خُلقت جنية أو بنت جنية، أسفة، أداعبكم لا تتعجبوا أضافوا لبرنامجي شيئًا للمُداعبة، كحالِ أهل الرجفة، اعتادوا أن يخلطوا الجّد بالهزلِ، الهزار بالنكد فلم أعرف يومًا متى هم جادون وفي أيِّ وقتٍ هم يهزلون. مُتعللين بأنهم شعب دمه حفيف، أو أنهم عباقرة يواجهون الظروف الصعبة، .. كلام فارغ طبعًا. تهجيص وفراغة عقول. أطلت عليكم، إنما كان حريًا بيَّ بجد أن أُطلعكم على صفة من صفات شعبي وأهلي، ما دُمتُ قد قررت أن أطلعكم على سرٍّ من أسرارِ نساء الأرض. عرفته فيما بعد ليس بسرٍّ فإذا اجتمع الرجال يتناقشون في العمل والسياسة والرياضة لتجتمع النساء لتناقشن معًا أدق أمور حياتهن، في حين الصبايا والفتيات لا هم لهن إلَّا العريس القادم.
تلك صورة لما تفعله النساء في الغالب حينما تجتمعن بمفردهن في مكانٍ فيه شُبهة ترف، فما بالك بالترف كُلَّه في شقة رِيبا، شقة أعلى المطعم؛ تسمع صهللةٌ ومغنى، راقصاتٌ فاتنات، رِيبا وحدها حكاية، فعندي تشبه مرجانة، لعلكم تعرفونها هي زوجة على بابا في حكايات ألف ليلة وليلة، فاتنةٌ، مثيرةٌ، مُلتهبةٌ. ريبا تَحب النساء والرجال والفتيات، لاتدع فرصة إلَّا وتريد أن تنهل فيها من رحيق البشر، خاصة بعد الكوارث أو الملمات.
سمعت بعض ما قلن واقفة مع سَليم مُتنصتًا، مُتبصصًا في الخارج ينظٌر بشهوةٍ وشغفٍ لسيقان النساء وأرجلهن. رأيتُ نظرته في عينيه، لم تعد نظرة حرمان، بل تحولت لنظرة مرض نفسي، حاد- لعله في مُنتصف الرواية قد يتحول لمرض عقلي- هكذا حال كثيرٌ من البشر، احتياج، منع، كبت، حرمان، فأمراض نفسية وعقلية، سرعان ما تتحول لأمراض عضوية مزمنة.
مسكينُ سَليم. لا أدرى أمظلومٌ هو جرَّاء أنظمة بلده وحكامها أم ظالمٌ لنفسه لقلة رضاه بمكتوبه وقدره؟ ..أُدقق فيه، كما وصفه حكيم؛ وسيمٌ لئيم، إنما تلبسته الجنية، مسحت رِيبا له عقله، لا أريد أن أظلمها فهي لم تُشجعه يومًا، ظل يحبها في صمتٍ، لا يحبها بل يشتهيها، اختارها نجمة في السماء حَتَّى يتعلل بأنه مظلومٌ في الحياة الدُنيا، أرادها امرأة، مثله مثل كُلّ الرجل، إنما حرمه الله، إذن من وجهة نظرى يرى أنه لم يأخذ حقه من الدُنيا، إذن فله أن يفعل ما يشاء، يتلصص، يتنصت، ينظر بشهوة لما ليس له من حقِّ فيه، يفعل في الخفاء ما يرغب، تحول لشيطانٍ مرّيد.
لا أريد أن أحرقَ لكم الرواية، لم يعلمني حكيم التسرع بل علمني الصبر والتمهل والسير بتؤدة، تؤخذ جرعة المعلومة ببطءٍ لمزيدٍ من التشويق. قلت لكم عني، لستُ بشرية، لا أعرف آلاعيب البشر وخبثهم، أنا طيبة. أسفة. عُدت لأمدح نفسي، أنا صادقة، ستعرفون في وقت لاحق طيبتي. عُدتَ لسَليم، لعل كلامي عنه يكون فيه بعض العبرة لمن يعتبر، لمن ينظر لما ليس في قدرته ولا احتماله ولا في حدودِ إمكانياته، لمن يلقي بشماعة تعاسته وحرمانه على القدر والمجتمع والناس، لمن ينفُض يديه من خيبته، مُعلقًا فشله وانسياقه وراء وهم كاذب. آراه لا تُثيره ضحكات ولا قفشات إنما إثارته في عينيه مثل أغلب الرجال، شهوة النظر غالبة، عكس النساء تُثار من أذنيها ثم بتلمس جسدها كله، كُلّ نقطة في جسد المرأة تبعث فيها إثارة. تراهم سعداء بالنجاة من الرجفة التي تأتي في الغالب بأضرارٍ بالغة حال حصولها في أيِّ بلدٍ، تحكي كُلِّ منهن بشغفٍ رواية صادفتها يوم حصول رجفة أرض مُماثلة، نميمة، اليوم الرجفة قوية، جعلتهن يتمسكن بالباقي من الحياة بقوةٍ. تقترب رِيبا من لِينا، تنظُر بعينيها المثيرة للرابية، ثم للندى، تقترب ببطءٍ من لينا ما زالت ساكنة لها نظرة عين دافئة عجيبة، لا تتحرك لينا تعرف أن ريبا تنوي أن تعرف سرّها المُختبيء؛ فتدعها ترفع عنها منشفتها الملتفة بها، لها جسدٌ أبيضٍ صارخ؛ لينا تنتفض من لمسة ريبا:
- يا لهوي بتعملي إيه؟ .. صارخة الرابية والندى جرّاء ما رأتن.
- يخرب بيت شيطانك يا بعيد.
ينتفض سَليم في الخارج صارخًا، رأيت ما رأى، معه حقّْ.
- بتعمل إيه عندك يا حيوان؟
يتعالى صوت ريبا من الداخل، سمعتها تزجر سَليم بعنف.
بقلم : هشام جلال أبوسعدة











0 التعليقات:
إرسال تعليق